السيد جعفر مرتضى العاملي

137

الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )

جيوش قيصر ، وربما بأسره ، وإسلام البلاد التي يحكمها أو كان له نفوذ فيها . . ولعل هذا النصر كان سيتحقق بعد استشهاد القادة بيسر ، ولكن الفرار قلب الأمور ، فوقع المحذور . ولذلك لم يتمكن الفارون من تقديم أي عذر أو تأويل ، بل ربما كانوا خائفين من وصول الأمور إلى حد اتخاذ القرار بقتلهم . ولذلك لم يتساهل أهل المدينة معهم ، بل حثوا التراب في وجوههم وطردوهم ، ولم يفتحوا لهم أبواب بيوتهم ، كما أن النبي الكريم ، والرؤوف الرحيم بالمؤمنين لم يعترض على أحد من أهل المدينة فيما يفعل ، ولم يردعهم عن شيء من تصرفاتهم التي تدخل في سياق الإهانة والتحقير لهذا الجيش . . وقد قلنا آنفاً : أن الفرار من جيش يفوق عدده عدد جيش المسلمين بعشرات الأضعاف ليس جرماً ولا حراماً . . وهذا يدلنا : على أن القضية لم تكن قضية فرار وحسب ، وإنما هي أدهى وأكبر ، وأعظم ، وأمر وأخطر ، لأنها قضية تضييع أعظم نصر عرفه تاريخ البشرية . واقتصر الأمر على مجرد تراجع جيش الروم عن تصميمه بمهاجمة المسلمين في عمق بلادهم ، وفي عقر دارهم ، في المدينة نفسها . . إذ إننا نرى : أن هرقل بعد أن انتصر على كسرى ، طمع بالاستيلاء على الحجاز ليؤكد شوكته ، وليعزز سلطانه . . فجاء بالجيوش بحجة المشي إلى بيت المقدس وفاءً بنذره ، فبادر رسول الله « صلى الله عليه وآله » لمباغتته بخطة تبطل كيده ، وتمزق جنده ، فضيع ذلك خالد بهزيمته النكراء تلك . وإلا فكيف نفسر وجود هذه الجيوش